سيريانديز ـ نجوى صل
"صيفٌ حزين من دونك يا آغا" بهذه العبارة يبدأ الصحفي نضال بشارة نعي صديقه وجار طفولته المفكّر والنّاقد والمترجم حنّا عبود، يقول: "قبل أربع ساعات.. ردّ على رسالتي الصّوتية التي صبّحت فيها عليه كما اعتدت بين حين وآخر، وأخبرني أنّه بالمستشفى، لذلك تأخّر بالرّد، وقال قد يخرج منها مساء اليوم أو الغد.. كان صادقاً لكن مع الأسف سيخرج إلى مثواه الأخير".
وبانتشار خبر رحيل عبّود، تدفّقت الذّكريات، يقول الأديب الدّكتور الدّين كليب: "يوماً ما دعيت إلى المركز الثّقافي بحمص لإقامة محاضرة حول أي موضوع أختاره، فكان جوابي تأجيل الموعد أشهر عدّة حتّى تتزامن المحاضرة مع عيد ميلاد حنّا عبّود السّبعين مع مطلع العام، وكانت المحاضرة التي أسعدتني وأحزنتني معا.. أمّا أنّها أسعدتني فلأنّها أسعدت حنّا عبّود الذي بكى على المنبر وهو يتحدّث عن رأيه فيها، على الرّغم من الملاحظات الكثيرة التي وجهت إلى مشروعه النّقدي والتّنظيري في المحاضرة، وأمّا أنّها أحزنتني فلأنّه أعلن يومها عن أن تلك المحاضرة هي الأولى التي تناولت أعماله حتّى الآن!.. واليوم يرحل أستاذنا الكبير وهو في ذروة عطائه الثّقافي تأليفاً وترجمة"..
أمّا الصّحفي حسين الإبراهيم، فذهب بذكرياته إلى مرحلة الدّراسة الثّانوية، يقول: "يودّع الوسط الأدبي، اليوم، أستاذي في المرحلة الثّانوية، النّاقد والمفكّر حنّا عبود.. الكلمات لا تكفي لوصف الامتنان الذي أحمله له، لكنّي أريد أن أشارك بعضاً من أثره في حياتي.. تعلّمت على يدي الأستاذ حنّا منهج اللغة العربية، ويعود له الفضل في توجيهي نحو الأدب والقصّة بشكل خاص، ففي الصّف العاشر أعرب عن تقديره لكتاباتي في موضوع التّعبير، وطلب منّي أن أهتم بالنّقد الأدبي، وكلّفني بزيارة المركز الثقافي في حمص لقراءة "الأيّام" لـ طه حسين، وتقديم دراسة نقدية كـ "وظيفة رسمية".
ويتابع الإبراهيم: "عندما أنجزت الدّراسة، قدّمتها أمام زملائي في مدرسة المثنى بن حارثة، ولاحقاً، نالت إعجابه، فقد اكتشف موهبتي في الكتابة الأدبية وكلّفني بعدها بكتابة قصة قصيرة.. تنبأ الأستاذ حنّا بقدرتي على الكتابة؛ ففتح لي أبواب الثّقة بالنّفس، والكتابة الصّحفية والفنيّة، ومهّد لي طريق القصّة، فوصلت اليوم بعد تجارب متعددة، إلى كتابة القصة التّفاعلية وفق منهجية الأدب الرّقمي.. أحزن كما يحزن أصدقاؤه وتلامذته والوسط الأدبي على فراقه، وفي الوقت ذاته أشعر بالامتنان لتأثيره العميق الذي بقي حيّاً في كتاباتي ومساري المهني".
وكان اتّحاد الكتّاب العرب ـ فرع حمص ـ نعى النّاقد والأديب حنّا عبّود عن عمر 89 عاماً، وجاء في النّعوة المنشورة في حساب الاتّحاد على الـ"فيسبوك": "ببالغ الحزن والأسى، وبتسليم بقضاء الله وقدره، ينعي اتّحاد الكتّاب العرب - فرع حمص، إلى الأوساط الثّقافية والأدبية، رحيل النّاقد والأديب حنّا عبّود عن عمر 89 عاماً.. إنّ فرع حمص لاتحاد الكتاب العرب، إذ يستشعر فداحة هذه الخسارة الإبداعية، يتقدّم بأحرّ التّعازي والمواساة إلى عائلة الفقيد الغالي، وإلى الأسرة الأدبية والوجدان الثّقافي السّوري عامة".
وفي مسيرته الذاتية والأدبية، نذكر أنّ الرّاحل وُلد في قرية القلاطية التّابعة لمدينة تلكلخ في محافظة حمص في عام 1937، وقضى طفولته في الميتم الأرثوذكسي بحمص بعد وفاة والديه وهو ابن الخامسة حيث أمضي ثمان سنوات في الميتم كان لها الأثر الكبير في تكوين شخصيته الأدبية وتعلّمه الموسيقى وتعمّقه في القراءة والأدب، يقول الأديب محمد عزوز: "نظم عبّود الشّعر وهو في المرحلة الإعدادية. وكان أوّل من حاز على الشّهادة الثّانوية في قريته المتواضعة، تلقّى تعليمه في حمص وتخرج من جامعة دمشق، حاملاً الإجازة في اللغة العربية وآدابها".
ويضيف عزوز: "يعدّ حنّا عبّود من نقّاد الشّعر في النّصف الثّاني من القرن العشرين، كما يعدّ ظاهرةً ثقافيّة موسوعية، نظراً لما قدّمه من إسهامات نوعية ومتنوعة في حقول الأدب والفكر والثّقافة، ويتّسم إنتاجه الفكري بالغزارة والتّنوّع، كما امتدت دراساته النّقدية من نقد الشّعر إلى نقد النّقد ونظرية الأدب وعلم الجمال، ما جعل مؤلّفاته تشكّل مراجع أساسية في الأدب العربي الحديث يعتمد عليها الباحثون والدّارسون في مختلف الحقول الأدبية والفكرية".
حاز حنّا عبود على أكثر من مائة جائزة تقديرية، وهو ما يعكس مكانته الرفيعة في الوسط الثّقافي العربي منها جائزة اتّحاد الكتاب العرب التقديرية في النّقد الأدبي، وكُرّم، مؤخّراً، من رابطة الخريجين الجامعيين والجمعية التاريخية في حمص، وسُمّيت في مطلع هذا العام إحدى مدارس حمص باسمه..
في عام 1960، أصدر عبّود أوّل مؤلفاته وكان بعنوان "الاشتراكية الخيالية في القرن التاسع عشر"، ثمّ تتالت المؤلفات والترجمات، وتنوّعت المواضيع والمجالات، إذ كتب في نقد الفكر الفلسفي والسّياسي والاقتصاد الأدبي، وترجمة النّقد ونظرية الأدب، والمسرح، والشّعر، فتجاوزت مؤلفاته التّعسين كتاباً، ومن أعماله الرّائدة "موسوعة الأساطير العالمية"، و"القصيدة والجسد"، و"المدرسة الواقعية في النقد العربي الحديث"، و"مسرح الدوائر المغلقة"، و"النزوحات الكبرى وأثرها في الأدب العربي"، و"النحل البري والعسل المر" وهي دراسة في الشعر السوري المعاصر، صدرت بدمشق عام 1982، بالإضافة إلى عدد كبير من الكتب التي ترجمها في النّقد الأدبي والفلسفة والتّاريخ والآداب، ونذكر منها "الكوميديا الإلهية" لـ"دانتي أليغييري".