سيريانديز ـ نجوى صليبه
في تقديمها للنّدوة التي أقامها المركز الثّقافي في "أبو رمانة" بالتّعاون مع اتّحاد الفنّانين التّشكيليين تحت عنوان "الفنون والتّطلعات الإنسانية"، قالت الشّاعرة والفنّانة رنا محمود الفتيان إنّ الفنون لعبت دوراً مهمّاً وإيجابياً في كثير من مفاصل الحياة، وإنّ الفنّون نتاج إبداعي للإنسان سواء أكانت لفظيةً أم سمعية أم بصرية لتعبّر عن فكرة الفنّان، مترجمة مشاعره الصّادقة، باعتبار أنّ رسالة الفنّان والإنسان واحدة وهي الإنسانية، مضيفة: "الفنّ والشّعر هما رسالة يودّ الشّاعر والفنّان إيصالهما للمتلقي بشكل عام وإنساني بعيداً عن الدّين والعرق والطّبقية، كسراً للحواجز، وتحطيماً للأغلال مع مراعاة القيم الأخلاقية".
"الشّعراء والفنّانون مشاغبون، هم أطفال مشاغبون.. هل أنت مع هذه المقولة؟"، سؤال طرحته الفتيان، وأجاب عليه الشّاعر والمصوّر الفوتوغرافي الفنّان التّشكيلي جورج عشي بالقول: "نعم.. أنا مع هذه المقولة.. الفنّان إنسان يملك حالة تعبيرية يستطيع التّعبير عنها بالرّسم، وهي تعكس طفولته ومحبّته لكلّ شيء جميل.. إنّه يرسم الجمال أينما وجد، لذلك هو طفل، لأنّه لا ينتسب إلى قاعدة ولا أسلوب، إنّما له أسلوبه الخاصّ بالتّعبير.. الشّعراء والفنّانون ليسوا مشاغبين إنّما هم أدلاء طرق"، عائداً بذاكرته إلى بذرة الفنّ التي نمت: "عندما كان عمري خمس سنوات كنت أراقب أبي أينما ذهب، وورثت عنه الوقار والهدوء في أحاديث الكبار، وبدأت أتمعن كيف أكون مثلهم، وكان أبي المحرّك الرّئيس لي لكي أكون ذا قيمة يوماً ما، وكان ينتبه عليّ بكلّ شيء، فكان يوظّف أناساً متخصصين في الرّياضة والفنون والموسيقى للاهتمام بي، لذلك أنا لم أراهق، بل كنت مهتمّاً بالرّسم والموسيقى والشّعر إلى أن وصلت إلى ما أنا عليه".
وفي إجابته على السّؤال ذاته، قال رئيس اتّحاد الفنّانين التّشكيليين الدّكتور محمد صبحي السّيد يحيى: "أنا مع هذه المقولة، لأنّ كلّ إنسان بطبيعته عندما يكون طفلاً يكون في داخله طفل مشاغب، وهو عبارة عن حبّ استكشاف واستنباط ما في نفسه باتّجاه الحياة، في هذه المرحلة يحدد الطّفل طبيعته ومسلكه في الحياة، فأنا منذ نعومة أظفاري وجدت أنّي في هذا الشّغب أرسم وأكتب الشّعر، وتجربتي الأولى في الفنّ كانت في المدرسة الابتدائية، إذ رسمت أوّل رسمة وأخذت رأي أستاذ الأستاذ الذي لم يكن متخصصاً بالرّسم بل كان أستاذ مادّة الاجتماعيات، حينها قال لي إنّ الرّسمة تكبرني بعشرين عاماً، وتنبّأ لي بأن أكون فنّاناً، لكنّه طلب منّي ألّا أريها لأحد، لأنّ المجتمع آنذاك كان منغلقاً".
وبالسّؤال عن تأثير الفنّ التّشكيلي على الكتابة، يجيب عشي: "بالنّسبة إليّ ليس هناك علاقة بين التّشكيل والشّعر، كلّ منهما يسير في منحى، ما لا أستطيع قوله في اللوحة أقوله في الشّعر والعكس صحيح، الفنّان يرسم رموزاً في اللوحة، بينما الشّاعر يكون واضحاً في شعره، والشّاعر لا يستطيع أن يكون رسّاماً، لكنّ الرّسام يستطيع أن يكتب شعراً، لكن لكي ينجحا هما بحاجة إلى الصّدق، الصّدق مع الذّات ومع الآخرين، والتّمكن من اللغة والأدوات، والمهمّ أيضاً العطاء، فأنا مثلاً لا أستطيع حمل آلة التّصوير في الشّتاء لالتقاط الصّور، كما أنّي لا أحبّ التّصوير في الرّبيع لأنّي لا أحبّ الألوان الزّاهية، فأجلس وأرسم.. أيّ لكلّ شيء ظروفه ووقته، مثلاً اليوم أنا لا أكتب الأغنيات لأنّه لا يوجد مطربون ولا ملحنون.. إذاً لمن أكتب؟!".
وبالحديث عن الموضوعات، فتأخذ الأسرة جلّ اهتمام الفنّان عشي لأنّه يعدّها كياناً اجتماعياً مقدّساً، وهو الحياة بحدّ ذاتها، يضيف: "نصيحتي لكلّ مبتدئ أن يشتغل على نفسه ولا يتوقّف، ويتدرّب باستمرار، وأن ينحى المنحى الأكاديمي قبل كلّ شيء.. هناك فنّان سوريّ عالميّ هو عازف الكمان المتميّز نجم السّكري، إلى الآن، لديه أستاذ يقابله ويتمرّن أربع ساعات يومياً".
ويفضّل الدّكتور يحيى الحالات الإنسانية ويقدّمها بشكل مختلف عن البقية، يقول: "أحببت الحضارة الأوغاريتية التي كانت في ريعان الحياة والإنسانية، ورسمتها بكثير من الوجوه وتخصصت فيها، ورسمت الحالات الإنسانية برؤيتي منذ عام 2011 حتى الآن، وتناولت ما مرّ على سورية من آلام ومواقف إنسانية".
وحول مشاريع اتّحاد الفنّانين التّشكيليين وآلية عمله في هذه المرحلة، يقول رئيسه الدّكتور محمد صبحي السّيد يحيى: "حالياً، نركّز على الفنّان من القاعدة، أي نصقل الفنّان الموهوب علميّاً وعمليّاً عبر دورات وورشات عمل يقيمها الاتّحاد.. في السّنوات الماضية كان الأمر ضبابياً، وكلّ فنّان ثقّف نفسه، لكنّه لم يجد الرّعاية من الاتّحاد، واليوم، الاتّحاد يركّز على القاعدة الشّعبية لكلّ فنّان، ومن ثمّ نتّجه باتّجاه تكريم الفنّانين الكبار، ونحاول إقامة مشاريع مع دول أخرى".
أمّا رؤيته لمستقبل الفنّ السّوري، فيقول الدّكتور يحيى: "أراه مشرقاً.. بدأنا نتلمّس القاعدة الشّعبية للفنّ التّشكيلي، وندعم الفنّانين الذين يخرجون إلى الحياة، ونساعد الشّباب لكي ينتسبوا إلى الاتّحاد وهم في قمّة العطاء.. نحن في مرحلة ترميم للذّات وللبيت الدّاخلي، ورسالتي إلى كلّ فنان أن يعمل ويقدّم ما يستطيع، مثلاً أن يقدّم كلّ فنان معرضاً في محافظة أخرى غير محافظته، لكي نتعرف على بعضنا وعلى نتاجات كلّ منّا، ولكي نلملم جراحنا، ونتآلف ونتحابب وننطلق إلى العالمية".
ويثمّن الفنّان جورج عشي الجهود الجبّارة التي يقوم فيها الدّكتور محمد، لكن هذا لا يكفي ـ على حدّ قوله ـ، يوضّح: "مثلاً في كلية الفنّون الجميلة يدرس كلّ عام مئات الطّلاب، لكن يخرج منهم فنّان أو اثنان والبقية يصبحون أساتذة في المدارس، والفنّان هو من يستحق أن يكون عضواً في الاتّحاد، لأنّه مبدع.. مستقبل الفنّ سيكون صفراً إذا استمر الحال على ما هو عليه.. أنا اليوم أتمنّى لو كنت سبّاكاً لأنّه يعيش أفضل مني".