المناخ المستقبلي حتى 2050 وأثره على مستقبل الزراعة في سوريا.. د. إدريس: ارتفاع معدلات النتح والبخر وتكرار الجفاف وانحسار المناطق البعلية سيريانديز - محمود ديبو:
سيريانديز - محمود ديبو:
نبَّه الخبير الدولي بالزراعة والإحصاء الزراعي الدكتور يونس إدريس إلى أن الزراعة في سوريا حالياً دخلت مرحلة تاريخية نتيجة الحرب والجفاف والهجرة وتغير المناخ وانهيار البيئة المؤسسية، مبيناً أن الزراعة في سوريا ليست مناطق زراعية وإنما هي أنظمة زراعية وظيفية متكاملة داخل الاستقلاب الوطني فهناك النظام الزراعي الساحلي المروي والتكثيفي والنظام في الهضاب والجبال الغربية، والنظام في السهول الشمالية والشمالية الشرقية والنظام في السهول الوسطى والغاب، والنظام في السهول والجبال الجنوبية وشبه الجافة، وأخيراً النظام الزراعي للسهوول الشرقية والجافة وشبه الجافة.
والتحدي اليوم التي تواجهه الزراعة في ظل التغيرات المناخية هو مرونة النظام الزراعي واستقراره وقدرته على الصمود وإعادة إنتاج نفسه اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً، فالزراعة ليست حقلاً ومحصولاً وإنما هي ماء وطاقة ومجتمع وسوق ومعرفة وإدارة مخاطر.
ومن هنا وجد الدكتور إدريس إن أهم ما يجب العمل عليه في ضوء التحديات الحالية هو إعادة هيكلة القطاع الزراعي والمفاهيم الأساسية وإعادة تعريف وظيفة كل نظام زراعي ممن الأنظمة الستة، وإعادة بناء التدفقات والارتباطات بينها، والانتقال من إدارة محصول إلى إدارة منظومة بحيث يكون هناك على مستوى الأحواض والأنظمة وليس على مستوى المحافظات الإدارية، مع الاعتماد على تقنيات الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي والانذار المبكر وقواعد وبيانات ومراقبة المياه والتخطيط الديناميكي وبناء الإرشاد الزراعي الحقيقي وليس منشورات تعريفية.
كما وجد الدكتور إدريس خلال محاضرته في ندوة الثلاثاء الاقتصادي ضرورة في إعادة تعريف الأمن الغذائي فهو ليس إنتاج أكبر كمية من القمح فقط، بل هو إدارة المجتمع على الصمود والتخزين والتنوع واستمرار التدفقات النقدية والعينية وتقليل الهشاشة، مع الاهتمام بإعادة بناء الوحدة الإنتاجية الريفية والتي هي الأسرة بوصفها الأساس في العملية الإنتاجية وتقديم كل الدعم لها.
وحول ما سيكون عليه المناخ عام 2050 وأثر ذلك على مؤشرات الزراعة بين الدكتور إدريس أن أولى هذه الآثار هي زيادة عملية البخر بنسبة 75 بالمئة للأمطار الهاطلة وزيادة كميات النتح بمعدل 700 ملم، كذلك ستتأثر فترة النمو بالتناقص عما هي عليه اليوم بواقع حيث ستتقلص فترة الإنتاج لتصبح 40 يوم بالسنة فقط بواقع نقصاً يصل إلى 79 يوماً، وبالنسبة لتكرار الجفاف ففي كل عشر سنوات سيتكرر الجفاف بواقع 4 - 6 سنوات في المناطق الشرقية، ومن 6 - 8 سنوات بالوسطى، ومن 8 - 9 سنوات في الغربية.
كما ستنحسر المناطق البعلية حيث كان الهاطل المطري في السبعينيات من القرن الماضي يستمر لتسعين يوماً، وحالياً متجهين إلى أن يكن نصف الهاطل المطري سيهطل في عشرة أيام وهذا ما نشهده اليوم من زخات مطرية عاصفة وفيضانات وعواصف.
وبالتالي فإنه حتى عام 2050 ستتغير طبيعة الطلب على المياه وتصبح أكثر إلحاحاً وأكثر تركيزاً في زمن أقصر وأكثر اعتماداً على الري عوضاً عن الأمطار وأكثر صعوبة في التخطيط له بسبب تواتر الجفاف.
وخلص الدكتور إدريس إلى القول بأنه لا يمكن إدارة المستقبل بأدوات الماضي، وبالتالي فإن مستقبل الزراعة في سوريا لا يمكن أن يبنىى بالتوسع الأفقي فقط بل بالكفاءة والإدارة الذكية والتخطيط الإقليمي واستعادة التوازن البيئي وإعادة الترابط الحيوي بين الأنظمة الزراعية الستة فالمشكلة كانت قد بدأت عندما انقطعت العلاقات بين هذه الأنظمة والتي كانت عبر قرون تشكل جسداً حياً متوازناً (نظام ينتج النقد وآخر يخزن الغذاء وثالث يحمي التربة ورابع يغذي الصناعة وخامس يمد المدن وسادس يحفظ التوازن البيئي).
وبالتالي فإن مستقبل الزراعة في سوريا لن تحدده كمية الأمطار وحدها بل قدرة السوريين على إدارة الماء وحماية التربة وإعادة بناء الريف وتحويل المعرفة إلى قرار استراتيجي فالزراعة التي لا تحافظ على مواردهها تستهلك مستقبلها.