سيريانديز – خاص
بعد قرار مثير للجدل نشرته شركة كهرباء ريف دمشق يتأهب أكثر من مليون مشترك في الكهرباء في عموم المحافظات السورية لدفع فاتورة موحدة قيمتها الإجمالية 320 ألف ليرة لفترة لا تبدو قصيرة خصوصا بعد تمديد مدة المناقصة التي أعلنتها وزارة الطاقة لاستيراد عدادات ذكية ليصار إلى تركيبها للمشتركين ممن لا يملكون عدادا أصلا.
قرار مفاجئ
في سابقة لافتة، لم تأت التعليمات الأخيرة بشأن تسعير فواتير الكهرباء من وزارة الكهرباء، بل من الشركة العامة لكهرباء ريف دمشق، التي أعلنت عن اعتماد استهلاك تقديري بقيمة 400 كيلوواط ساعي لكل دورة (شهرين) للمشتركين الذين لا يملكون عدادات.
القرار، الذي نُشر على صفحة الشركة، لم يقتصر على محافظة ريف دمشق، بل شمل جميع المحافظات السورية، ما أثار تساؤلات حول الجهة المخولة فعليا بوضع السياسات العامة، وحول مدى التنسيق بين الوزارة والشركات التابعة لها.
مليون ومئتا ألف مشترك بلا عدادات
بحسب تصريحات رسمية، فإن عدد المشتركين الذين لا يملكون عدادات كهربائية في سوريا يبلغ نحو 1.2 مليون مشترك، أي ما يعادل 20% من إجمالي المشتركين، والغالبية العظمى من هؤلاء يقطنون في المناطق التي تضررت بشدة خلال سنوات الحرب، لا سيما في ريف دمشق والغوطة ودرعا، وقد عاد كثير منهم إلى منازلهم بعد استقرار الأوضاع الأمنية.
لكن عودتهم لم تكن نهاية المعاناة، بل بداية فصل جديد من التحديات، أبرزها غياب العدادات، وفرض فواتير تقديرية لا تتناسب مع واقعهم المعيشي.
ليست مؤقتة
رغم أن القرار بأنه "مؤقت"، فإن تزامن مع إعلان وزارة الطاقة تمديد المناقصة التي سبق أن أعلنتها لاستيراد عدادات ذكية من 15 كانون الثاني الجاري إلى 15 آذار القادم يؤكد بشكل واضح أن تطبيق الآلية التقديرية سيستمر لما لا يقل عن عام كامل، وربما أكثر، هذا الواقع ينسف فكرة "الحل المرحلي"، ويحول التقدير إلى سياسة دائمة، تطبق على شريحة واسعة من المواطنين دون مراعاة لخصوصية أوضاعهم.
بين التصريحات والواقع... فجوة تتسع
وزارة الكهرباء كانت قد أكدت في أكثر من مناسبة أن الغالبية العظمى من السوريين يستهلكون أقل من 300 كيلوواط ساعي في كل دورة، ما يضعهم ضمن الشريحة المدعومة، لكن قرار شركة كهرباء ريف دمشق اعتمد 400 كيلوواط كرقم تقديري، ما يعني إدخال هؤلاء في شرائح تسعير أعلى، وبالتالي تحميلهم أعباء مالية إضافية.
هذا التناقض يطرح تساؤلات عن مدى انسجام السياسات بين الوزارة وشركاتها، وعن مدى التزام الجهات التنفيذية بتوجهات الحكومة المعلنة.
الفئات الهشة تدفع الثمن
الشرائح الأكثر تضرراً من هذه السياسات هم أولئك الذين لا يملكون عدادات وغالبيتهم من العائدين إلى مناطقهم بعد الحرب بحسب الخبير الاقتصادي يوسف شري الذي أشار في تصريح لشبكتنا إلى أنه "في ظل غياب البنية التحتية، وتأخر تركيب العدادات، تجد ما لايقل عن مليون عائلة نفسها أمام فواتير لا تعكس استهلاكها الفعلي، بل تحتسب وفق منطق "الأسوأ افتراضا"، وكأنها تعاقب على عودتها إلى منازلها.
يقول أبو أحمد، من سكان ريف دمشق: "نحن بالكاد نستهلك 200 كيلوواط، لكنهم يجبروننا على دفع فاتورة 400. هذا ليس دعماً، هذا ظلم، بدورها تسأل أم خالد، التي عادت إلى منزلها المدمر جزئياً، تصرخ: "أين العدادات التي وعدونا بها؟ نحن ندفع ثمن تقديرات لا علاقة لها بحياتنا اليومية"
شاب من الغوطة يتساءل: "الوزارة تقول إننا ضمن الشريحة المدعومة، لكن الشركة تضعنا في خانة الأغنياء، أي عدالة هذه؟"
حتى إشعار آخر
بين التقديرات المفروضة، وغياب العدادات، وتمديد المناقصات، تتبدد وعود "العدالة في الدعم" أمام واقع يزداد تعقيدا فالمواطن البسيط، الذي عاد إلى منزله بعد سنوات من النزوح، يجد نفسه اليوم أمام فواتير لا تعكس استهلاكه، بل تحتسب وفق قرارات لا يعرف من يصدرها ولا متى تتغير، وفي انتظار العدادات الذكية، يبقى أكثر من مليون مشترك رهينة لسياسات تقديرية، تثقل كاهلهم وتعمّق شعورهم بالغبن.