كثيرون منا يتساءلون: لماذا يساوي الدولار كذا، ولماذا تهبط الليرة أو تصعد؟ هل الأمر مجرد "حسد" من العملات الأخرى، أم أن هناك قوانين تحكم هذه اللعبة؟
في الواقع، العملة اليوم لم تعد تُقاس بوزنها ذهباً كما في العصور القديمة، بل هي "عقد ثقة" بين المواطن والدولة.
1. المعايير الاقتصادية: "عضلات" الدولة
لكي تكون العملة قوية، يجب أن يستند خلفها اقتصاد "عضلي" قوي، ويقاس ذلك بعدة أمور:
* الإنتاج والتصدير: العملة تقوى عندما تبيع الدولة للعالم أكثر مما تشتري منه. إذا كان العالم يحتاج لمنتجاتك (زراعية، صناعية، سياحية)، فإنه سيحتاج لعملتك لشرائها، وهذا يرفع قيمتها.
* النمو الاقتصادي: عندما تتحرك المصانع وتُبنى البيوت وتتوفر فرص العمل، يزداد الطلب على العملة المحلية.
* الميزان التجاري: هو ببساطة الفرق بين "الصادرات" و"الواردات". الدولة التي تستورد كل شيء تحتاج دائماً لعملة صعبة (دولار مثلاً)، مما يجعلها تبيع عملتها المحلية باستمرار لشرائه، فتنخفض قيمتها.
2. المعايير النقدية: "دماغ" البنك المركزي
إذا كان الاقتصاد هو "العضلات"، فإن السياسة النقدية هي "الدماغ" الذي يدير هذه القوة:
* الاحتياطي النقدي: هو "حصالة" الدولة من الذهب والعملات الأجنبية. كلما زاد هذا الاحتياطي، شعر الناس بالأمان لأن الدولة قادرة على التدفع وحماية عملتها عند الأزمات.
* السيطرة على التضخم: عندما تُطبع الأموال بلا حساب، ترتفع الأسعار وتفقد العملة قيمتها. البنك المركزي الناجح هو الذي يوازن بين كمية النقود في السوق وحجم السلع المتوفرة.
* سعر الفائدة: أداة لجذب المستثمرين؛ فالفائدة المرتفعة تشجع الناس على الاحتفاظ بالعملة المحلية في البنوك بدلاً من تحويلها لعملات أخرى.
مثال واقعي:
الليرة السورية الجديدة (رؤية 2026)
في مطلع عام 2026، تصدرت "الليرة السورية الجديدة" العناوين كخطوة استراتيجية نحو الاستقرار. ولكن، هل تغيير شكل الورقة أو حذف الأصفار كافٍ لمنحها القوة؟
لماذا تراهن سوريا على "الليرة الجديدة"؟
الحكومة السورية الانتقالية و مصرف سورية المركزي يجب أن لا يعتمدا فقط على "الطباعة الجديدة"، بل على حزمة من الإجراءات النقدية والاقتصادية:
* حذف الأصفار والمعالجة الحسابية: يسهل التعامل التجاري ويخفف من "نفسية التضخم" لدى المواطن، لكنه يظل إجراءً تقنياً يحتاج لدعم حقيقي.
* إعادة تفعيل النظام المصرفي: العمل على إعادة الثقة في البنوك وجعل "الليرة" هي الوسيلة الوحيدة والأساسية للتعامل في الداخل، مما يقلل الاعتماد على "الدولرة" و تحرير الحسابات المقيدة و سقوف السحب.
* تحويلات المغتربين: تعتبر الحوالات الخارجية "أوكسجين" لليرة الجديدة، حيث تساهم في تغذية خزينة الدولة بالقطع الأجنبي مقابل صرفها بالليرة للمواطنين بسعر عادل.
* الاهم الاهم الاهم هو التعافي الإنتاجي: القوة الحقيقية لليرة الجديدة تأتي من عودة عجلة الإنتاج الزراعي والصناعي. فالمواطن يثق بالعملة عندما يرى أن أرضه ومنتجاته هي التي تمنحها القيمة.
ملاحظة هامة: الثقة هي "العملة" الحقيقية.
عندما يقتنع التاجر والمواطن بأن الليرة الجديدة مخزن آمن للقيمة وليست مجرد وسيلة عابرة للتبادل، تبدأ دورة التعافي الاقتصادي الحقيقية.