سيريانديز - خاص
في مشهد غير مألوف على الخطاب الحكومي، وجه وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور نضال الشعار رسالة مطولة إلى التجار والصناعيين مع حلول شهر رمضان حملت طابعا وجدانيا لافتا، في محاولة لدفع الفعاليات الاقتصادية إلى مراعاة الظروف المعيشية الصعبة التي يمرّ بها السوريون.
واستهل الوزير الشعار رسالته التي نشرها على صفحته الشخصية في فيسبوك بعبارات روحانية قائلا: "نستقبل هذا الشهر المبارك… وفي مثل هذه الأيام تتضاعف المسؤولية، ويصبح الضمير هو البوصلة الأصدق في كل فعلٍ وفي كل قرار ثم تابع مخاطبا التجار والصناعيين: "أدعوكم في هذا الشهر الفضيل إلى أن تحكموا وجدانكم في التسعير، وأن تراعوا أحوال الناس، وأن تتذكروا أن بين أيديكم أسرا تكافح لتأمين قوت يومها" ليبدوا بذلك هذا الخطاب العاطفي محاولة لتعويض غياب تأثير الإجراءات الحكومية التقليدية في مواجهة الارتفاع المتواصل للأسعار.
ومنح الوزير دعوته بعدا دينيا مباشرا حين قال: "وأناشدكم أن تعتبروا العدل في الأسعار وتنازلكم عن بعض الربح صدقة جارية على أرواح شهدائنا الأبرار"، مضيفا "إن أرواحهم النقية لن ترضى بجور أو ظلم، ولن تقبل أن يُرهق أهلهم بثقل الاستغلال".
وشدد الوزير على أن الربح المشروع حق، لكنه عاد ليذكر بأن “المغالاة ليست من قيمنا”، قبل أن يقر بأن قدرة الوزارة محدودة بقوله: "وزارة الاقتصاد، رغم شح الموارد وضيق الإمكانات، ستبذل أقصى ما تستطيع لضبط الأسواق… لكن شريكنا الحقيقي هو ضمير التاجر ووجدان الصناعي"، الأمر الذي اعتبره مراقبون إقرار غير مباشر بأن أدوات الرقابة لم تعد كافية، وأن السوق بات بحاجة إلى تعاون طوعي من الفعاليات الاقتصادية.
إجراءات غائبة
رغم أن خطاب الوزير بدا أقرب إلى الناس من حيث اللغة والمفردات، فإن ذلك لم ينجح في تهدئة المخاوف من استمرار موجة الغلاء ففي دمشق قالت أم محمد، وهي ربّة منزل، لشبكة سيريانديز بنبرة تجمع بين الإعجاب والخيبة: "الكلام جميل، لكن الأسعار لا تنخفض بالكلام.. نحن نريد أفعالا، لا رسائل"، أما أبو محمود، صاحب بسطة خضار في حي الميدان، فعبر عن رأي أكثر توازنا، إذ قال: يبدو أن الوزارة عاجزة، ونأمل أن يستجيب التجار ويخفضون أسعارهم في هذا الشهر الكريم… الناس تعبت".
بين هذين الموقفين، ظهر اتجاه ثالث بين الشباب، عبر عنه الطالب الجامعي حسام، الذي رأى أن الخطاب “لطيف لكنه غير واقعي”، مضيفا "الوزير يطلب من التجار الرحمة لكن التاجر نفسه يعاني من ارتفاع التكاليف.. المشكلة أكبر من مجرد ضمير" لتعكس في المحصلة هذه الآراء حالة عامة من الترقب المشوب بالقلق، حيث يشعر المواطنون بأن الخطاب الوجداني لا يكفي وحده لوقف موجة الأسعار.
ترحيب حذر وتحفظ واضح
التجار تداولوا فيما بينهم رسالة الوزير حيث رأى بعضهم فيها محاولة “محترمة” لفتح قناة تواصل لكن آخرين اعتبروا أنها تحملهم أكثر مما يحتملون، أبو فراس وهو تاجر مواد غذائية في باب سريجة، قال لشبكتنا: "ربط الأسعار بالصدقة الجارية يضعنا في موضع المتهم… نحن لسنا ضد تخفيف الأسعار، لكن التكاليف ترتفع يوميا" بينما أوضح الصناعي سامر الحمصي، صاحب ورشة صغيرة في القابون أن "المشكلة ليست فقط في هوامش الربح، المواد الأولية والنقل والكهرباء، كلها تكاليف تضغط علينا".
أما تاجر الألبسة أبو رائد، فعبّر عن موقف أكثر مباشرة بقوله: "إذا كانت الوزارة تعترف بشح الإمكانات، فمن الطبيعي أن تكون قدرتها على لكن لا يمكن تحميلنا وحدنا مسؤولية الأزمة".
أزمة أدوات لا أزمة نوايا
الخبراء الاقتصاديون قرأوا الرسالة من زاوية مختلفة، معتبرين أنها تكشف أكثر مما تعلن، حيث رأى الدكتور محمود العلي الباحث في الشؤون الاقتصادية في تصريح لشبكتنا أن هذا الخطاب يعكس اعترافا غير مباشر بأن أدوات الرقابة لم تعد فعالة ولذلك تحاول الوزارة التعويض بالضغط الأخلاقي، أما الخبير تمام ديبو فقد اعتبر أن التحول إلى لغة المناشدات “ليس أمرا عابرا”، مضيفا: عندما تقول الوزارة إن الضمير هو الشريك الحقيقي، فهذا يعني أن الشريك التنفيذي غائب أو ضعيف على أقل تقدير".
واستطرد بالقول أن استحضار الشهداء في سياق اقتصادي يشير إلى محاولة “تعبئة وجدانية” لتعويض غياب الحلول وإن لرسالة تحمل نوايا طيبة، لكنها لا تحمل أدوات… وهذا هو جوهر المشكلة".
الحل المأمول
وفي المحصلة تضاف رسالة وزير الاقتصاد إلى مؤشرات كثيرة تتحدث عن واقع اقتصادي معقد يتجاوز حدود المناشدات الأخلاقية، وبين ضغوط المعيشة المتفاقمة وعجز الأدوات الرقابية وتردد التجار بين التعاطف والقدرة الفعلية على التخفيض، يبقى المشهد مفتوحا على مزيد من الترقب وقد ينجح الخطاب في تحريك بعض الضمائر، لكنه لا يستطيع وحده معالجة أزمة تتطلب حلولا بنيوية وإجراءات واضحة وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص لضبط الأسواق وحماية المواطن.