|
الخميس 2026-09-23 21:16:19 |
أخبار المال والمصارف |
| المؤشر العربي للاقتصاد الرقمي 2026: من قياس التحول الرقمي إلى بناء السيادة الرقمية العربية |
 |
بقلم: الدكتور محمد عمار دلول
مدير مكتب سورية – الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي
أطلق الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي، أمس على هامش معرض Seamless Middle East في دبي، إصدار عام 2026 من المؤشر العربي للاقتصاد الرقمي تحت عنوان: «السيادة الرقمية في المنطقة العربية»، في خطوة مهمة تهدف إلى تقديم قراءة علمية شاملة لموقع الدول العربية في الاقتصاد الرقمي العالمي، وقياس مدى قدرتها على إدارة مواردها الرقمية وتوظيفها في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولا تكمن أهمية المؤشر في ترتيب الدول فحسب، بل في كونه أداة عملية تساعد الحكومات وصنّاع القرار والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية على معرفة نقاط القوة، وتشخيص الفجوات، وتوجيه الاستثمارات والسياسات نحو القطاعات الأكثر تأثيراً في المستقبل الرقمي.
ما الذي يقيسه المؤشر؟
يعتمد المؤشر على ثمانية محاور مترابطة، تقدم صورة متكاملة عن جاهزية كل دولة وقدرتها على بناء اقتصاد رقمي آمن وتنافسي ومستدام، وهي:
1. الحوكمة والمؤسسات الرقمية.
2. البنية التحتية الرقمية.
3. رأس المال البشري والمهارات الرقمية.
4. الابتكار والتكنولوجيا.
5. اقتصاد البيانات والذكاء الاصطناعي.
6. الشمول الرقمي والمالي.
7. الأمن السيبراني وسيادة البيانات.
8. الأثر الاقتصادي والاجتماعي للتحول الرقمي.
وبذلك ينتقل المؤشر من قياس انتشار الإنترنت أو عدد الخدمات الإلكترونية إلى تقييم أعمق يشمل قدرة الدولة على إدارة بياناتها، وحماية بنيتها التحتية، وإنتاج التكنولوجيا، وتأهيل الكفاءات، وتحويل التحول الرقمي إلى نمو اقتصادي وفرص عمل وتحسين في جودة الخدمات.
أبرز نتائج المؤشر العربي لعام 2026
أظهرت النتائج تحسناً في أداء 20 دولة عربية مقارنة بإصدار عام 2024، مقابل تراجع محدود في دولتين فقط، ما يعكس تقدماً عاماً في مسارات التحول الرقمي العربي.
لكن المؤشر كشف، في الوقت نفسه، استمرار فجوة كبيرة بين الدول العربية والدول المرجعية؛ إذ بلغ المتوسط العربي العام نحو 44.33 نقطة، مقابل 80.85 نقطة لمجموعة المقارنة الدولية. وهذا يعني أن المنطقة أحرزت تقدماً مهماً، إلا أنها ما زالت بحاجة إلى تسريع الاستثمار في التكنولوجيا والبيانات والابتكار والمهارات الرقمية.
وتصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة الترتيب العربي بنتيجة 76.66 نقطة، تلتها المملكة العربية السعودية بـ73.64 نقطة، ثم البحرين بـ66.75 نقطة، وقطر بـ66.66 نقطة، وسلطنة عُمان بـ65.98 نقطة.
وجاء الأردن في المركز السادس، ثم الكويت، فالمغرب، ومصر، وتونس، والجزائر، ولبنان. وتوزعت بقية الدول ضمن فئات الأداء المتوسط المنخفض والمنخفض، بما يؤكد اتساع الفجوة الرقمية داخل المنطقة العربية نفسها.
كما بيّن التقرير أن أسرع مجالات التقدم العربي ترتبط بتوسع الخدمات الرقمية وتحسن البنية التحتية وتطوير السياسات الرقمية، بينما بقي التقدم أبطأ في مجالات البحث والتطوير، وإنتاج المعرفة التقنية، والابتكار، وتطوير التقنيات محلياً.
ماذا تعني السيادة الرقمية؟
السيادة الرقمية لا تعني الانغلاق أو رفض التكنولوجيا العالمية، بل تعني امتلاك الدولة القدرة على اتخاذ قراراتها الرقمية بصورة مستقلة، وحماية بيانات مواطنيها ومؤسساتها، وضمان استمرارية الخدمات الحيوية، وتقليل الاعتماد غير الآمن على الجهات الخارجية.
وتقوم السيادة الرقمية على ثلاثة مرتكزات أساسية:
* سيادة البنية التحتية، بما يشمل شبكات الاتصالات ومراكز البيانات والحوسبة السحابية.
* سيادة البيانات، من خلال التشريعات والحوكمة والحماية والأمن السيبراني.
* سيادة القدرات التكنولوجية، من خلال الكفاءات الوطنية والبحث العلمي والابتكار والذكاء الاصطناعي.
ومن هنا، يصبح المؤشر بمثابة خريطة طريق تساعد كل دولة على تحديد موقعها الحالي والمسار المناسب لها حتى عام 2030.
سورية في المؤشر: فرصة للتحول من التشخيص إلى العمل
جاءت سورية في المرتبة التاسعة عشرة عربياً بنتيجة إجمالية بلغت 25.41 نقطة، ضمن فئة الأداء المنخفض. ولا ينبغي التعامل مع هذه النتيجة باعتبارها حكماً نهائياً، بل بوصفها خط أساس علمياً يمكن الانطلاق منه لبناء خطة وطنية للتحول الرقمي.
وتظهر النتائج أن سورية تمتلك رصيداً مهماً في محور رأس المال البشري والمهارات الرقمية، الذي سجل 52.83 نقطة، متجاوزاً المتوسط العربي البالغ 45.07 نقطة. ويؤكد ذلك أن الكفاءات السورية، داخل البلاد وخارجها، تمثل أهم أصول سورية الرقمية وأكبر فرصة متاحة للنهوض.
في المقابل، تبرز فجوات واضحة في البنية التحتية الرقمية، والابتكار، والشمول الرقمي والمالي، وحوكمة المؤسسات الرقمية. وهذه الفجوات تتطلب برنامجاً وطنياً متكاملاً، وليس مبادرات منفصلة أو مشاريع تقنية متفرقة.
ومن الأولويات التي يمكن العمل عليها في سورية:
* إعداد استراتيجية وطنية موحدة للاقتصاد الرقمي والسيادة الرقمية.
* تحديث البنية التحتية للاتصالات والإنترنت ومراكز البيانات.
* تطوير الهوية الرقمية والخدمات الحكومية المترابطة.
* بناء منظومة وطنية للمدفوعات الرقمية والشمول المالي.
* تعزيز الأمن السيبراني وحماية البيانات والسيادة عليها.
* دعم الشركات الناشئة والبحث العلمي وربط الجامعات باحتياجات السوق.
* إطلاق برنامج وطني للذكاء الاصطناعي وتنمية المهارات الرقمية.
* الاستفادة المنظمة من الخبرات والكفاءات السورية في الخارج.
إن رأس المال البشري السوري يمنح البلاد فرصة حقيقية لاختصار الزمن، لكن هذه الفرصة تحتاج إلى بيئة تشريعية ومؤسسية واستثمارية قادرة على تحويل المهارات الفردية إلى قدرات وطنية مستدامة.
المؤشر أداة للعمل وليس مجرد تصنيف
القيمة الحقيقية للمؤشر العربي للاقتصاد الرقمي تكمن في تحويل نتائجه إلى سياسات وبرامج قابلة للقياس. فكل دولة تستطيع أن تحدد المحاور التي تحتاج إلى تدخل عاجل، ثم تضع أهدافاً زمنية ومؤشرات أداء وتتابع تقدمها في الإصدارات اللاحقة.
كما يؤكد التقرير أن كثيراً من تحديات الاقتصاد الرقمي لا يمكن معالجتها بصورة منفردة؛ فالأمن السيبراني، وحركة البيانات عبر الحدود، والذكاء الاصطناعي، والتجارة الإلكترونية، والمهارات المتخصصة، كلها مجالات تتطلب تعاوناً عربياً أوسع.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير بنية رقمية عربية مترابطة، ومواءمة التشريعات، وتعزيز التعاون في الأمن السيبراني وحوكمة البيانات، وبناء سوق رقمية عربية تسمح للشركات بالتوسع والوصول إلى قاعدة اقتصادية أكبر.
خاتمة
إن إطلاق المؤشر العربي للاقتصاد الرقمي 2026 يمثل انتقالاً مهماً من الحديث العام عن التحول الرقمي إلى القياس العلمي للنتائج والفجوات والقدرات. وهو دعوة واضحة للدول العربية للانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها، ومن رقمنة الإجراءات إلى إعادة بناء الاقتصاد على أساس البيانات والمعرفة والابتكار.
وبصفتنا في مكتب سورية للاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي، سنعمل على الاستفادة من نتائج المؤشر في دعم الحوار الوطني، وتقديم المقترحات العملية، وربط الخبرات السورية بالشبكات والمؤسسات العربية، والمساهمة في وضع مسار واقعي يرفع موقع سورية في الإصدارات المقبلة.
فالمستقبل لن يكون للدول الأكثر استخداماً للتكنولوجيا فقط، بل للدول القادرة على امتلاك قرارها الرقمي، وإدارة بياناتها، وتأهيل أبنائها، وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية وسيادة وطنية مستدامة.
للاطلاع على الإصدار الكامل من المؤشر العربي للاقتصاد الرقمي 2026، بعنوان «السيادة الرقمية في المنطقة العربية»، واستكشاف النتائج التفصيلية ومؤشرات أداء الدول العربية، يُرجى زيارة الرابط التالي:
https://drive.google.com/file/d/1v6X-PJ9Mz7Gi44HeiIvvt3UWOxMtQODl/view?usp=sharing
|
|