الأربعاء 2026-09-16 14:48:15 ثقافة ومنوعات
مصعب الشيخ علي: قصيدة النّثر خيار واع ومقصود وأؤمن بأنّ اللغة يجب أن تُكتب بما يوافق المعنى الحقيقي لا ما تفرضه الضّرورات الشّكلية
مصعب الشيخ علي: قصيدة النّثر خيار واع ومقصود وأؤمن بأنّ اللغة يجب أن تُكتب بما يوافق المعنى الحقيقي لا ما تفرضه الضّرورات الشّكلية

سيريانديز ـ نجوى صليبه
بعد تخرّجهما من الجامعة، تفتتح "باسكال" و"سيما" خمّارة في إحدى القرى الجبلية وتسميّانها "خمّارة الدراويش"، لتأمين المعيشة ومتطلّبات الحياة، ومع الوقت تصبح هذه الخمّارة مكاناً لاجتماع أشخاص من مختلف المشارب، ويصبح الغناء طقساً يومياً ووسيلة للتّعبير عمّا يعجزون عن قوله مباشرة، ومع الوقت يزداد روّاد الخانة، وتتنّوع قصصهم، بين عائد من تجربة سفر غير ناجحة إلى، وطبيب هجر مدينته هرباً من الحرب، ومسنّ ينتظر اتّصالاً هاتفياً من أبنائه المغتربين.
وبعد فترة من الزّمن، تبدأ الهجرة المعاكسة، كلّ باتّجاه حلمه داخل البلاد أو خارجها، حتّى "سيما" تطير خلف حلمها، لتصبح "باسكال" مع كلّ رحيل أكثر عزلة، لكنّها تدرك، لاحقاً، أنّ لكلّ أسبابه، من بقي له أسباب للبقاء، ومن هاجر له أسبابه للهجرة..
كان هذا ملخّص بسيط للعرض المسرحي "خمّارة الدّراويش" التي كتبها مصعب الشّيخ علي بالشّراكة مع بانه خضور، وعُرضت أوّل مرّة على خشبة مسرح دار الثّقافة في حماه ضمن فعاليات مهرجان سوريا المسرحي 2026، بإعداد وإخراج  علي عبد الحميد، واحتفل مؤّخراً بطباعتها، يحدّثنا الشّيخ علي عن تجربة الكتابة المشتركة: "تجربتي الأدبية مع بانه أقدم من كتابة هذا النّص، وبدأت في عام 2018، مع حصولنا على جائزة قصيدة النّثر الأولى التي أقامها الملتقى الثّقافي العائلي في مشتى الحلو، أمّا تجربة الكتابة المشتركة فكانت أكثر من رائعة، ويمكنني اختصارها بالقول إنّني اليوم عندما أقرأ العمل، لا أستطيع التّمييز بين الجمل التي كتبتها أو كتبتها بانه، فقد كان بيننا انسجام وتناغم فكري، ساعدنا في تجاوز نقاط الاختلاف التي ترافق الكتابة المشاركة عادةً، ليخرج العمل مشتركاً بكلّ معنى الكلمة، لا نصّين جرى دمجهمها، ولم تتوقّف شاركتنا هنا، بل لدينا نصوص ومشاريع جديدة نعمل عليها حالياً، ونأمل أن ترى النّور". 
لدى الشّيخ علي إصداران آخران هما "أذان الرّحيل" مجموعة قصائد نثرية، والثّاني "مكاتيب.. دون عناوين" وهو عبارة عن شعر محكي، والكتاب الرّابع في طريقه إلى العلن، وحول سبب اختياره لهذين النّوعين من الشّعر، يوضّح: "في كتابي الرّابع وجدت نفسي مدفوعاً إلى كتابة مقدّمة له؛ لا بوصفها شرحاً للنّصوص أو مفتاحاً مغلقاً لقراءتها، بل محاولةً للاقتراب من بعض الأسئلة التي تُطرح علينا اليوم، نحن الذين نكتب هذا الشّكل الحداثي من الشّعر، أو ما اصطلح على تسميته بـ"قصيدة النّثر"، ولعلّ السّؤال الأكثر حضوراً، سواء عند القرّاء أو النّقاد، هو: هل ما يُكتب اليوم تحت هذا الاسم يُعدّ شعراً حقاً؟ وجوابي واضح وصريح: نعم.. من دون تردّد.. غير أنّ شعريّة قصيدة النّثر لا تنبع من الوزن والقافية، ولا من الانتساب إلى بحور الخليل، بل من قدرتها على توليد الحالة الشّعرية ذاتها؛ من الإيقاع الدّاخلي للجملة، ومن التوتّر الكامن في الصورة، والطّاقة التي تجعل اللغة تتجاوز وظيفتها الإخبارية، لتغدو فضاءً شعوريّاً ورمزيّاً مفتوحاً، ففي هذا النّوع من الكتابة، لا تُستخدم الكلمات بوصفها قوالب جاهزة، ولا تُقاد الجملة بما يناسب البحر أو التّفعيلة، بل بما يناسب التّجربة نفسها، والصّورة هنا لا تأتي لتزيين المعنى، بل لتخلقه، والإيقاع لا يُفرض من الخارج، بل يتولّد من التّكرار، والتّوازي، وتدفّق الجملة، ومن العودات الرّمزية التي تصنع موسيقى النّص الخفية.. ومن هنا، لم تكن قصيدة النّثر بالنّسبة إليّ حلّاً سهلاً، ولا التفافاً على علوم اللغة والعروض، بل كانت خياراً واعياً ومقصوداً، وربما لهذا السّبب وجدت نفسي قريباً من بعض الطّروحات اللغوية الحديثة التي انتقدت ثقافة التّرادف في العربية، ورأت أنّ الشّعر الموزون كثيراً ما يدفع اللغة إلى التّضحية بالدّلالة الدّقيقة للكلمة لمصلحة انسجامها مع القافية والإيقاع، ولست أستعيد هذه الأفكار هنا من باب التّنظير المجرّد، بل لأنّني أؤمن بأنّ اللغة ينبغي أن تُكتب بما يوافق معناها الحقيقي، لا بما تفرضه الضّرورات الشّكلية وحدها".
تعلّم الشّيخ علي الرّسم بمحترف الفنان سامر إسماعيل في مصياف، واشتغل على موهبته وطوّر أدواته، وشارك في العديد من المعارض الجماعية في مصياف بين عامي 2016 و2017، وأشرف على ورشات وأنشطة فنية كالمخيم الفني الذي أقامه ملتقى الشباب للفن التشكيلي في مصياف في عام 2020، كما أشرف على ورشة العمل الفنّية في مدينة كيل ـ ألمانيا، وشارك بالعديد من المعرض الجماعية كالذي أقيم في براغ ـ التشيك، لكن كيف وظّف الفنّ في الشّعر أو العكس؟ يجيب: "في الحقيقة لا أرى انفصالاً واضحاً بينهما، وخصوصاً من حيث الرّسالة.. أتّفق كثيراً مع الفنّان الكبير خالد تاجا في رفضه لفكرة "الفنّ من أجل الفنّ"، وفي ضرورة أن يحمل العمل الفنّي رسالةً ما. ورسالتي، سواء كتبتها بالكلمة أم عبّرت عنها باللون، تنطلق غالباً من هموم الناس وحكاياتهم وما يعيشونه من قضايا وتحولات.. قد تتغير الأداة بين قصيدة ولوحة ونصّ مسرحي، لكن الهم الذي يقف خلفها يبقى واحداً".
كذلك درس الحقوق في بيروت، ثمّ درس ماجستير في القانون الاقتصادي في ألمانيا وحالياً يتابع الدّكتوراه في القانون الضّريبي، وما بين الاقتصاد والشّعر حكاية أخرى، يقول الشّيخ علي: "لا أشعر بوجود هذا الانفصال الحادّ بينهما في حياتي. لكلّ مجال منطقه وأدواته، وأعتقد بأنّ الإنسان قادر على أن يكون عقلانياً ودقيقاً في جانب، وحسّاساً وخياليّاً في جانب آخر؛ بل ربّما يغني كلّ منهما الآخر.. وأعتقد بأنّ العامل الأكثر أهمية بالنّسبة إليّ هو تنظيم الوقت؛ لأنّه يسمح بالمحافظة على الاستمرارية في أكثر من مجال من دون أن يكون أحدها على حساب الآخر. وربّما كان لمسيرتي الشّخصية دور كبير في ذلك أيضاً، فقد تنقلّت خلال السّنوات الماضية بين بلدان ومدن مختلفة، من بيروت إلى أربيل ثم إلى ألمانيا وغيرها، وهو ما جعل الالتزام بمسار مهنيّ ثابت في المجال القانوني أمراً صعباً في بعض المراحل، بينما ظلّ الفن والكتابة رفيقين دائمين لي، لا يرتبطان بمكان أو بظرف مهني محدد".


وبالسّؤال عن تقبّل الوسط الثّقافي الألماني للفنّ والشّعر السّوريين، وعمّا قدّمه إليه وماذا أخذ منه، يجيب الشّيخ علي: "سافرت إلى ألمانيا مطلع عام 2021، ومنذ البداية حظيت بترحيب واسع من المجتمع ومن عدد من المنظّمات والمؤسسات الثّقافية هناك، والمفارقة الجميلة أنّني بدأت بإقامة ورشات فنية والإشراف عليها حتى قبل أن أتمكن من اللغة الألمانية بصورة جيدة، وكانت أولى هذه الورشات تحمل عنوان "الفنّ هو أيضاً لغة"، وهو عنوان اخترته عن قصد، انطلاقاً من إيماني بأنّ التّواصل بين البشر لا يتوقّف عند حدود اللغة المحكية، وأنّ الفنّ قادر أحياناً على تجاوز هذه الحدود وخلق مساحة مشتركة بين أشخاص قادمين من ثقافات وتجارب مختلفة.. أخذت من تجربتي في ألمانيا الكثير، ولاسيّما قيم الحرية والانفتاح والتعاون وتقبّل الآخر، وفي المقابل حاولت أن أقدّم ما حملته معي من تجربتنا السّورية، ومن التّجربة الثّقافية والفنية في الشّرق الأوسط عموماً، بما تمتلكه من خصوصية وغنى في الفنّ والكتابة.. وقد حظيت تجربتي الفنّية هناك بترحيب، وأستطيع القول ومن دون مبالغة، إنّه كان أكثر من رائع، وربّما أجمل ما تعلّمته أنّ الفنّ لا يحتاج دائماً إلى لغة مشتركة لكي يصل إلى النّاس.. آخر تجاربي في هذا السّياق كان معرضي في مدينة براغ في التشيك في أيار 2026؛ لم أكن أتحدّث التشيكية، وكثير ممّن التقيت بهم لم يكونوا يتحدثون لغة أتقنها، ومع ذلك استطعنا أن نتواصل، وكانت اللوحات هي اللغة، والمحبة سيّدة الموقف".

ٍ جميع الحقوق محفوظة لموقع syriandays - syrianews - سيريانديز- أخبار سورية © 2026