|
الإثنين 2026-08-31 20:40:17 |
ثقافة ومنوعات |
| ليس للدّجاج.. (حكايا من هنا وهناك) يكتبها د. عامر مارديني كما يشعر |
 |
سيريانديزـ نجوى صليبه
يقدّم الدّكتور محمد عامر مارديني مجموعته القصصية الجديدة "حكايا من هناك وهناك" الصّادرة، مؤخّراً، عن دار "توتول للطّباعة والنّشر والتّوزيع" بالتّذكير بقصّة "مقادم الجنزال ديغول" التي نُشرت ضمن مجموعته القصصية "قصص شبه منحرفة" الصّادرة في عام 2021، يقول: "سلّطت الضّوء فيها على ما يُعرف بـ"ثقافة القطيع"، كذلك انتشار الشّائعات بسرعة خارقة على مواقع التّواصل الاجتماعي من دون التّحقق منها أو التّأكّد من صحّتها، ونقدت فيها مسألة تشويه التّاريخ، لا بل تزويره، وفي إطار متابعتي العمل من أجل نشر مجموعتي القصصية هذه بحثت عن مقدّمة لها أتناول فيها مقولات قرأتها على البكرات المعروفة على مواقع التّواصل الاجتماعي باسم "ريلز"، ينسبها ناشروها إلى أدباء معروفين ممّن أعشق كتاباتهم"، موضّحاً أنّه سأل الذّكاء الاصطناعي عن مؤلّفي هذه المقولات فجاءت النّتائج بمجملها سلبية وصادمة لا تمّت بصلة إلى من نُسبت إليهم زوراً وبهتاناً، ويضيف: "لكن هذه الاقتباسات أو الأقوال مجهولة المصدر تؤكّد يقيناً بطريقة أو بأخرى أنّ ثقافة القطيع تتكرّس يوماً بعد يوم وتترسّخ بشكل مرعب بين فئات عمرية هجرت النّفائس من أمّهات الكتب واتّجهت بمحض إرادتها إلى بناء ثقافة هجينة فارغة الجوهر والمحتوى، وعاجزة عن خلق فكر غني أو معرفة صائبة الوجهة والتّوجّه".
ويختم د. مارديني المقدّمة بقوله: "أما أنا فأعيد مقولتي، من مبدأ النّقائض في الشّعر وأقول في وجه ديكارت: "أنا لا أفكر.. إذاً أنا موجود"، ويبتدئ مجموعته بـ"دجاجة بيكاسو" والقصّة التي نسبت إليه عندما انتقده أحدهم وقال له إنّه لا يرسم سوى الخطوط المتداخلة والألوان والنّقوش، فرسم على الأرض حبّة قمحٍ جعلت إحدى الدّجاجات تسرع لالتقاطها، وهنا يقول المنتقد: "ما دمت تتقن رسم كلّ الأشياء لما تصرّ على رسومك الغريبة؟"، يجيب بيكاسو: "أنا لا أرسم للدّجاج".. وفي نهاية القصّة يطلب د. عامر السّماح من "بيكاسو" لأنّه يضع نفسه في مقاربة ردّه على منتقده ويقول لمن يظنّ أنّه يقصده بسخرية في كتاباته: "أنا لا أكتب للدّجاج".
تقع المجموعة في مائة وعشرين صفحة، وتضمّ قصصاً متنوّعةً متفاوتة الحجم والنّوع، ففيها القصص السّاخرة وفيها الوجدانية والقصّة القصيرة جدّاً، يقول د. عامر: "قصص توافقت مع الوضع العام الذي صرت فيه بعد أن تركت العمل الإداري، والذّاكرة مليئة بالقصص، لكن عميلة الانتقاء يجب أن تكون دقيقة وحذرة، لأنّ كلمة واحدة قد تُفهم وتُفسر بشكل خاطئ.. حاولت الكتابة كما أشعر، هناك قصص أكتبها وقصص أتخيلها ومعظمها من الواقع وتحاكي الجميع، وأقصد أن يقرأها الصّغير قبل الكبير، وأن تكون كلماتي بسيطة وغير معقدة".
يكتب د. عامر الأدب السّاخر وعُرف به خلال السّنوات الماضية، لكن الاستمرار في هذا الفنّ ليس بالأمر السّهل، يوضّح: "يحتاج إلى قراءة أكثر للأدباء الكبار، وأنا قرأت للكتّاب السّاخرين أكثر، لكنّ العصر يختلف والواقع السّياسي والاقتصادي يختلف، لذا أحاول الأخذ من هذه المفارقات التي نراها وأكوّن باقة صغيرة، بحيث يضحك القارئ أحياناً ويبكي أحياناً أخرى، وأنا غالباً أشتغل على كسر أفق التّوقّع، حتّى بالوجداني أكتب قصة كاملة لكن تكون النّهاية صادمة".
"حكايا من هنا وهناك" هي أوّل تعاون للقاصّ محمد عامر مارديني مع دار "توتول" لصاحبها القاصّ والرّوائي محمد أحمد الطّاهر الذي يحدّثنا عن هذا التّعاون: "خلال اللقاءات الأدبية عرض الدكتور عامر مجموعته عليّ وقرأتها، وهي عبارة عن قصص رائعة فيها الجانب الإنساني والاجتماعي والسّاخر من الواقع.. من يكتب القصص القصيرة جدّاً يلتقط إشارات خفية لا يستطيع الإنسان العادي رؤيتها.. القصص ليست على نسق واحد، إنّما فيها باقة من الزّهور، قد نجد المختصر جدّاً والواضح والغامض جدّاً والمضحك والمأساوي.. أنا قرأت المجموعة أكثر من مرّة قبل طباعتها وتناقشت مع الدكتور حول بعض القصص وكان رأيه ككاتب، أمّا رأيي فمن منظار كاتب ومحامي وناشر وأحترم نظرة ورأي الكاتب وأترك له القرار، وتبقى مهمّتي إبداء وجهة النّظر فقط".
أمّا التّعاون الآخر والمستمر فجمع القاصّ عامر مارديني بالمخرج هشام فرعون الذي حوّل ثلاث قصص إلى أفلام سينمائية قصيرة، يقول مارديني: "معظم القصص كُتبت سيناريوهات وسُجّلت بوزارة الثقافة، وكنّا على وشك تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني لكن توقّفت حالياً.. أنا قدّمت المجموعة السّابقة وقلت فلتأخذوا ما تريدون منها، والمخرج هشام أخذ ثلاث قصص وحوّلها إلى أفلام، والمفارقة أنّي عندما ذهبت لأحضر فيلم "الخطّاط" سُرق الجوّال".
لكن ما الذي يميّز قصص مارديني لتُحوّل إلى أفلام؟ يجيب فرعون: "ما يميّزها روح الكاتب الجميلة، وهو يكتب للصّورة، أي يكتب القصّة فنتخيلها على أرض الواقع ونستطيع أن نعرف ما يريد، وهي واضحة وسهلة وتحتمل الرّموز، بعض كلماته نستبدلها برمز لأنّها قد تكون غير مقبولة اجتماعياً أو سياسياً أو رقابياً، كذلك القصّة مرنة وهذا أمر مهمّ جدّاً، كما تتميز بالطّرافة، وهو يحكي فكرة واحدة بكلّ قصّة، ولا يتفرّع كثيراً ولا يجعلنا نضيع وهذا يصلح للفيلم القصير".
|
|