الأحد 2026-05-24 16:10:16 أخبار اليوم
هل بدأت وزارة الاقتصاد تفكيك التعامل النقدي بالدولار.. أم أننا أمام قرارات مربكة؟
سيريانديز
تتصاعد في الأسواق السورية موجة استياء واسعة بين التجار وأصحاب المحال، بعد سلسلة إجراءات اتخذتها وزارتا الاقتصاد والصناعة خلال الأيام الماضية، يعتبرها كثيرون غير مدروسة وتزيد من اضطراب السوق، وسط تساؤلات عمّا إذا كانت هذه الخطوات تمهيدا فعليا لمنع التداول النقدي بالدولار وليس فقط منع التسعير على أساس قيمته.
"نحن أول المتضررين" التجار يرفعون الصوت
يقول تاجر في دمشق لشبكة سيريانديز: “السوق تعتمد التسعير وفق قيمة الدولار منذ سقوط النظام نهاية عام 2024، وهذا مسموح.. المشكلة ليست هنا… المشكلة أن البيع والقبض بالدولار أصبح ممنوعا بالكامل. لماذا هذا المنع؟ ولماذا كل هذه التعقيدات؟”
ويضيف آخر: “الدولار يتقلب يوميا… كيف نثبت سعرا ونلتزم به؟ الوزارة تطلب ما لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع. تطلب منا إعلان الأسعار وتدوينها على كل مادة، وإن لم نفعل نقع في فخ مخالفة عدم إعلان أسعار. وإن حاولنا الالتزام، نجد أنفسنا أمام عمل مرهق بتغيير الأسعار شبه اليومي بسبب تغيّر سعر الصرف المستمر".
 
تعليمات التموين تزيد الضغط
إلى جانب إشكالية الدفع ومنع التداول النقدي بالدولار، جاءت تعليمات التموين الأخيرة لتضيف طبقة جديدة من التعقيد، إذ ألزمت المحال التجارية بضرورة كتابة المواصفات بالعربية حتى على المواد المستوردة، وهو ما فتح بابا واسعا من الأسئلة والمشكلات العملية.
يقول صاحب محل: “هذه مواد أجنبية… كيف نترجم؟ ومن يتحمل التكلفة؟ بعض الشركات لا تسمح بتعديل عبواتها أصلا.”
هذه الشكوى ليست فردية، بل تتكرر على ألسنة معظم التجار الذين يرون أن القرار غير قابل للتطبيق في كثير من الحالات، فالمواد المستوردة تأتي بعبوات مغلقة ومختومة، وأي محاولة لإضافة ملصقات أو تعديلها قد تعد مخالفة لشروط الشركات المصنعة، أو قد تؤدي إلى رفض البضاعة في حال إعادة التصدير أو التفتيش الجمركي.
ويشير تجار إلى أن ترجمة المواصفات ليست مجرد “ملصق صغير”، بل عملية تتطلب مترجمين مختصين لضمان دقة المعلومات وطباعة ملصقات مطابقة للمواصفات وعمالة إضافية للصقها على كل قطعة وتكاليف مالية جديدة تضاف إلى أسعار مرتفعة أصلا
ويقول أحد التجار: “نحن نبيع مئات الأصناف… هل يُعقل أن نترجم ونلصق على كل قطعة؟ هذا عمل يستنزف الوقت والمال، ولا يمكن لمحال صغيرة تحمّل أعبائه.”
استثناءات غير مقنعة 
كما يلفت تاجر آخر إلى مشكلة أكثر حساسية: “هناك وكالات ومحال كبيرة لا تُطبّق هذه الشروط… لماذا تفرض القوانين على البعض ويعفى البعض الآخر؟ على ماذا تستند في ذلك هل لأن هذه الوكالات أجنبية مثلا.. مضيفا “لا نريد معاملتها مثلنا… نريد معاملتنا مثلها. لماذا تُطبّق القوانين على طرف واحد فقط؟”
هذا الشعور بعدم العدالة يزيد الاحتقان في السوق، إذ يرى التجار أن التعليمات تُطبّق انتقائيا، وأن بعض الشركات الكبرى تتمتع بـ“استثناءات غير معلنة”، بينما يترك صغار التجار لمواجهة الغرامات والمخالفات وحدهم.
في المحصلة، يرى كثيرون أن تعليمات التموين، بدلا من تنظيم السوق، زادت الفوضى وخلقت أعباء جديدة على قطاع يعاني أصلا من ضغوط مالية ونقدية خانقة.
 
هل انتهى “شهر العسل” مع الدولار كورقة نقدية؟
تساؤلات الشارع التجاري اليوم لا تتعلق بالتسعير، بل بـ منع التداول النقدي بالدولار، هل بدأت الحكومة فعلا بتضييق الخناق على الدفع بالدولار؟ وهل يجري تغيير قواعد اللعبة النقدية تدريجيا؟
هذه المخاوف تستند إلى مؤشرات واضحة في مقدمتها تسليم الحوالات بالليرة حصرا ودفع الرواتب بالليرة دون استثناء وإلزام المحال بالبيع بالليرة فقط حتى لو كان التسعير مرتبطا بالدولار
خطوات توحي، برأي خبراء، بأن مرحلة جديدة تُفرض على السوق دون إعلان رسمي أو خطة انتقالية تحمي التجار وتسهّل عملهم.
سياسة جديدة أم تخبّط؟
القرارات المتلاحقة، وغياب أي توضيح رسمي يشرح خلفياتها أو أهدافها، وتزايد شكاوى التجار يوما بعد يوم… كلها عوامل تضع وزارة الاقتصاد أمام سؤال جوهري ومفتوح: هل ما يجري هو ملامح سياسة نقدية جديدة تُطبَّق تدريجيا لإنهاء التداول النقدي بالدولار داخل السوق السورية؟ أم أننا أمام سلسلة قرارات متفرقة تُتخذ كردود فعل، دون رؤية اقتصادية واضحة، فتزيد الفوضى وتعمّق خسائر السوق؟
هذا الغموض لا يقتصر على التجار فقط، بل يشمل حتى الخبراء الاقتصاديين الذين يرون أن الوزارة تتصرف وفق إشارات متناقضة، وفي هذا السياق يقول الاقتصادي محمود السالم لشبكة سيريانديز.. الوزارة تشدد على ضرورة ضبط السوق ومنع التعامل بالدولار نقدا؛ ومن جهة أخرى، لا تقدّم أي بديل عملي أو خطة انتقالية تساعد التجار على التكيّف مع هذه المتغيرات.
مطالب محقة
ويضيف أن غياب الشرح الرسمي يفتح الباب أمام تفسيرات متضاربة متسائلا هل تسعى الحكومة فعلا إلى إعادة الاعتبار لليرة عبر تقليص دور الدولار في الحياة اليومية، أم أن هذه القرارات ليست سوى ردود فعل متسرعة على اضطرابات سعر الصرف، دون دراسة أثرها على السوق.
بينما يخشى الاقتصادي تمام ديبو أن تكون هذه الإجراءات مجرد محاولات للسيطرة على السيولة، لكنها تُنفّذ بطريقة تزيد الضغط على التجار والمستهلكين معا.. متسائلا.. لماذا لا توجد إجابة واضحة من الوزارة.
في المحصلة.. السوق يختنق فالتجار يواجهون صعوبة في التسعير، والمستهلكون يواجهون ارتفاعا في الأسعار، والقرارات تطبق دون تمهيد أو تفسير، ما يجعل الخسائر تتراكم في كل الاتجاهات.
وفي ظل هذا المشهد، يطالب التجار الوزارة بأن تستمع إليهم، وأن تشرح ما إذا كانت هذه الإجراءات جزءا من تحوّل نقدي استراتيجي، أم مجرد تخبّط إداري قد يجرّ السوق إلى مزيد من الاضطراب قبل أن تتسع دائرة الضرر.
ٍ جميع الحقوق محفوظة لموقع syriandays - syrianews - سيريانديز- أخبار سورية © 2026