الأحد 2026-04-19 20:07:34 ثقافة ومنوعات
في ظلّ ضبابية الرّؤية والصّورة.. السّينما السّورية إلى أين؟
في  ظلّ ضبابية الرّؤية والصّورة.. السّينما السّورية إلى أين؟
سيريانديزـ نجوى صليبه برعاية وزارة الثّقافة، نظّمت المؤسسة العامة للسّينما ملتقى حوارياً بعنوان: "السّينما في سوريا.. إلى أين؟"، وذلك في صالة المركز الثّقافي العربي بـ"أبو رمانة". وفي مستهل حديثه، قال جهاد عبدو المدير العام للمؤسسة: "عندما استلمت المؤسسة منذ أقلّ من عام، توقّعت أن يكون هناك فقر وعجز، لكن ليس إلى هذا الحدّ، تعبنا في البداية من آليات العمل وفهم أسلوب العمل في هذا القطّاع، ولاسيّما أنّ المؤسسة يجب أن تخاطب العالم كلّه، ليس فقط العالم العربي، والسّينما السّورية جميلة وتصنع أفلاماً مهمةً، لكن لماذا توقّفت؟ ولماذا اثنين فقط يشتغلون ويصلون إلى العالم؟". ومقارنة بالسّينما في الدّول الأوروبية، وجد عبدو أنّ السّينما السّورية بحاجة إلى أن يكون القائمون عليها متخصصون، وألّا تلعب العلاقات الشّخصية والواسطات لعبتها، وألّا يكون هناك تسلّط، وأن يكون لدينا نصوص حرّة وتجهيزات جديدة، مضيفاً: "كان لديّ رغبة في أن أضع هذه التّجربة تحت تصرّف المؤسسة، واصطدمنا بالواقع وأسسنا كادراً جديداً يشتغل وفق هذه الآليات الجديدة، لنصنع سينما تستطيع المشاركة في المهرجانات بكلّ العالم، وإن لم تربح على الأقل تؤمن تكلفتها، وقررنا تسخير كلّ الطاقات لتكون المؤسسة مختبراً سينمائياً تخرج من يوميات مدير عام إلى يوميات سينمائي سوري"، منوّهاً بالمشكلات المادّية أيضاً، إذ أقرّ أنّه منذ أسبوع فقط استلم مبلغاً من المال من أجل سدّ الدّيون المتراكمة على المؤسسة، هذا بالإضافة إلى مشكلة القوانين والأجور، ومبيناً أنّه قدّم طلباً للدّولة طالب فيه بفصل المؤسسة عن الحكومة بشكل جزئي كما في فرنسا وألمانيا وكندا ومدن عالمية كثيرة تهتمّ بالسّينما، وهكذا يصبح بإمكان المؤسسة توظيف من تريد وتوقيع عقود مع من تريد، مضيفاً: "فهمت أنّ الدّولة متّجهة نحو الخصخصة حسب المؤسسة ونتمنّى أن يحصل ذلك قريباً". بدوره، قال علي عنيز رئيس لجنة صناعة السّينما والتّلفزيون: "ليس لدينا سينما، ونحن متأخّرون كثيراً مقارنة بالدّراما"، مؤكداً ضرورة وجود بنية تشريعيّة جديدة تقدّم التّسهيلات، ومشاركة القطّاع الخاصّ الذي لا يمكن أن ينهض من دون دعم القطّاع العام، مضيفاً: "أين هي دور السّينما المنتشرة على مساحة الجغرافية السّورية؟.. لدينا صالات كثيرة، جزء منها عليه إشكاليات ما بين الوزارات والإيجارات القديمة والفروغ وهذا يرهق واقع السّينما، وللأسف لدينا مشكلة في الثّقافة السّينمائية، ووزارة التّربية تتحمّل جزءاً من المسؤولية، أمّا فيما يخص موضوع التّسهيلات فليس لدينا تجارب على مستوى السّينما، اليوم، لنقول ما هي التّسهيلات، وليس لدينا تقييم لحالة تجربة سينمائية نجحت محليّاً، نتمنّى تضافر الجهود جميعاً لإنتاج أفلام مشترك بين القطّاعين، أنا شخصياً كان لي تجربة مع المؤسسة سابقاً ولم تكن مرضية بتفاصيلها، لذا لابدّ من هيكلة البنية التّشريعيّة وإعطائها صلاحيات، لا يمكن أن أكون مكبّلاً بالقوانين وأنجز إنتاجات مشتركة، كذلك المؤسسة لوحدها لا يمكن أن تصنع سينما، لأنّ هذا يعني تكاليف مرتفعة ولابدّ من رفدها بأموال القطّاع الخاصّ الذي هو لا يتمتع بجرأة القطاع العام، لدينا عثرات إدارية ولوجسيتية". وعلى الرّغم من دراسته السّينما في بريطانيا وحصوله على الماجستير، قرر المخرج سمير الحسين الاتّجاه إلى الدّراما لأنّ إيراداتها المادّية والمعنوية أفضل بكثير من السّينما التي كانت شبه معدومة، مصرّحاً بأنّه تلقى دعوات عدّة منذ عام 2011 ليعمل في السّينما لكن لم تكن لديه الرّغبة في ذلك لأسباب عدّة، وتحدّث عن البنية التّحتية للسّينما والعوائق التي حالت دون إقامة ظاهرة سينمائية سورية مع بعض الاستثناءات، موضّحاً: "سوريا تخلو من بنية تحتية لبناء سينما حقيقية تساعد في بناء المشهد الثّقافي والمعرفي، والمؤسسة لم تكن تمتلك أقساماً فاعلة سواء في الإعلام أم العلاقات أم التّسويق والتّنسيق في المهرجانات، واليوم لا يوجد إلّا قلة من الكفاءات فيها، والأفلام التي حققت حضوراً لافتاً تحصى على أصابع اليد الواحدة وهي ذات قيمة سينمائية حقيقية ومن ثم انطفأت وتلاشت"، منوّهاً بإقصاء بعض المخرجين عن المشهد السّينمائي، ولاحقاً ظهور ظاهرة تلفزة السّينما وتأطيرها بمحتوى دعائي، هذا بالإضافة إلى عدم وجود استديوهات تصوير أو أدوات وتقنيات جديدة. وانتقل الحسين إلى معهد السّينما وافتقاره إلى أدنى مقومّات الدّراسة السّينمائية، الكلام والانتقاد الذي كنّا نسمعه بعد سنة من تأسيسه، يقول الحسين: "معهد السّينما أحد الأعمدة الأساسية في أي بلد، لكنّه قام ومنذ نشأته كان على الارتجال والفوضى والافتقار إلى منهاج معتمد، ووسائل تقنية أقلّها كاميرا ونظام داخلي، وكان لي تجربة بائسة جداً معه، فقد درّست طلّاب السّنة الثّالثة والرّابعة مقابل مبلغ مادّي مخجل ومعيب جدّاً، اليوم سقف طموح الطّلاب ـ ومنهم ابنتي التي تخرّجت منه وعانت الأمرّين حتّى أخرجت فيلماً ـ هو البحث عن فرصة بالتّلفزيون ليشتغلوا متدرّبين أو مساعدين". وبحكم تجربتها في المعهد أيضاً، قالت النّاقدة الدكتورة لمى طيارة: "لم أستطع استلام رئاسة قسم السّيناريو في المعهد لأنّ القانون لا يسمح لغير الموظّف بالدّولة باستلام رئاسة قسم وهذا أمر مجحف وغريب جدّاً، وعندما طُلب مني التّدريس كان المبلغ المادّي لا يتناسب مع الجهد وهذا لا أعدّه تضحية، فالمفروض أن يكون هناك احترام للتّعب والجهد والدّراسة.. لدينا شباب موهوبين وبعضهم دعمتهم شركات خاصّة، واليوم، الواقع بعيد جدّاً أكاديمياً عن الواقع.. أنا درست في المعهد العالي للفنون المسرحية ـ قسم النّقد والأدب المسرحي ـ واشتغلنا بالمسرح والنّقد والإخراج بفضل المنهاج الذي كان موجوداً والأساتذة الذين كانوا من خيرة الأساتذة، وهذا خوّلني للانتقال من المسرح إلى السّينما، بالإضافة إلى أنّ الدّولة كانت داعمة له، اليوم ينقصنا الإيمان بالثّقافة والفنّ الأقوى من أيّ سلاح، وهذا دور السّينما التي تنطلق إلى العالم وتعطي صورة حقيقية عنّا، أمّا الدّراما فتبقى في حدود البلاد العربية". شارك في الملتقى أيضاً مخرجون شباب، الأوّل هو مسؤول العلاقات العامّة في المؤسسة رامي القصّاب يقول: "دراستي السّينما في مصر التي تشابه سورية بالواقع، علمتني الصّبر في التّعامل مع الرّوتين الوظيفي الموجود لدينا في سوريا"، مؤكّداً ضرورة بناء الثّقة بين صنّاع السّينما والنّاس من أجل صناعة سينما للجميع، ومضيفاً: "المؤسسة وطنية تقدّم وجهة نظر الدّولة، وفي الوقت ذاته لدينا آراء نريد قولها، عمري شهر ونصف الشّهر في المؤسسة، ونحن نعاني كلّ يوم، لكن لا يجب التّوقّف.. السّينما يجب أن تساعد بالسّلم الأهلي وتغيّر الأسى الموجود في داخلنا". بدورها، تحدّثت المخرجة الشّابة رغد باش عن تجربتها مع المؤسسة ووصفتها بالجميلة، وروت كيف تعلّمت صناعة فيلم بميزانية منخفضة وأحياناً بصفر ميزانية، تقول: "هناك أفلام صوّرتها بالجوال، يجب ألّا نستسلم حتى لو كانت الميزانيات متواضعة.. أنا راضية عن تجربتي نوعاً ما، لكن بالنّسبة إلى تصوير فيلم من عشرين دقيقة خلال يوم ونصف كانت تجربة فيها تحدّيات كبيرة". كذلك تحدّث المنتج والمخرج عبد الرّحمن الكيلاني عن تجربته في السّينما الوثائقية، وكيف بدأ خطواته الأولى، والتي كانت بمشاهدة أفلام والتّعلّم منها، يقول: "انتقلت إلى الشّمال وكانت السّينما مركزية في دمشق، وبعد انتقالي إلى تركيا كان هناك فرصة للتّعلّم والعمل، بعد عام 2024 وجدت واقع الإنتاج السّينمائي مأساوي في سوريا، والدّراما هي المسيطرة، وفي آخر سنة كان التّحدّي الأكبر هو سوق العمل والتّعرّف عليه، بالإضافة إلى تحدّيات متعلّقة بثقافة العمل والرّوتين في المؤسسات، فأنا بحاجة إلى موافقة تصوير، والمشكلة الأساسية، اليوم، هي عدم وضوح رؤية الدّولة في هذا المجال.. هل تريد سينما أم لا؟ هل تريد سينما رسميّة موجّهة أم سينما لها مساحة واسعة لصنّاع الأفكار؟ وما هو السّقف وما هي المعايير التي تساعد في أن يكون السّقف واضحاً أعرف كيفية التّعامل معه وألّا يكون مزاجياً أو انتقائياً؟". أسئلة مهمّة طرحها الكيلاني، وعلى ما يبدو تشكّل هاجساً لدى الكثير، ونعود هنا إلى المخرج سمير الحسين ونختم بقوله: "اليوم مرّ عام ونصف العام، ولم نشاهد أي فيلم.. إلى متى سننتظر؟؟ حلمي أن أشتغل سينما، لكنّ المعطيات بائسة، وإن استسلمنا، فهذا الوضع قد يمتدّ سنوات طويلة جدّاً.. لا أعرف الصّورة غائمة بالنّسبة إليّ، لكن نتمنّى مستقبلاً يحمل معه تطوّرات مهمّة للسّينما ".
ٍ جميع الحقوق محفوظة لموقع syriandays - syrianews - سيريانديز- أخبار سورية © 2026