الإثنين 2026-03-09 14:06:03 أخبار المال والمصارف
الرواتب في سوريا.. هل أصبح التأخير قدرا شهريا؟
خاص -سيريانديز
لم يعد تأخر الرواتب حدثا عابرا يمكن تجاوزه، بل تحول إلى طقس شهري يعيشه السوريون بقلق وترقب، فبدلا من أن يكون موعد القبض محطة استقرار، أصبح لحظة انتظار ثقيلة، لا يعرف الموظف فيها إن كان سيحصل على راتبه في الوقت المحدد أم سيترك معلقا لأيام وربما أسابيع، ففي الوقت الذي أعلنت فيه وزارة المالية الشهر الماضي انتهاء الصرف في الثالث والعشرين، تشير متابعات سيريانديز إلى أن أكثر من 60% من الموظفين ما زالوا ينتظرون رواتبهم حتى اللحظة رغم أننا وصلنا إلى اليوم التاسع من الشهر.
 
بين الانتظار والخيبة
في الشوارع لا يحتاج المرء إلى كثير من الجهد ليكتشف حجم الضيق الذي يسببه تأخر الرواتب، فكل مواطن يحمل رواية مختلفة لكنها تلتقي في نقطة واحدة، يقول سامر الموظف في إحدى الدوائر الحكومية لشبكة سيريانديز إن الأيام التي تسبق موعد القبض أصبحت "أطول من الشهر نفسه" فكل فاتورة مؤجلة وكل حاجة مؤجلة حتى الطعام بات مرتبطا بموعد الصرف"، أما هناء وهي معلمة مدرسة فتصف التأخير بأنه "امتحان صبر قاس" مؤكدة أن الراتب رغم تواضعه هو ما يحدد قدرتها على الاستمرار في تأمين احتياجات أطفالها".
من جهتها ترى ليلى، العاملة في القطاع الصحي أن المشكلة "لم تعد في التأخير نفسه بل في غياب أي تفسير رسمي"، أما حسام، صاحب محل صغير في منطقة المزة، فينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، حيث يقول" تأخر الرواتب يعني ركودا يمتد لأيام طويلة إذ يتوقف الزبائن عن الشراء بانتظار القبض فيتوقف هو بدوره عن البيع وتتعطل دورة السوق بأكملها" ويضيف: "نحن نعيش على حركة الناس وعندما يتأخر الراتب تتوقف الحياة كلها".
الاقتصاديون يفتحون الملفات
يرى خبراء اقتصاديون أن ما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في تأخير إداري عابر، بل هو انعكاس مباشر لخلل أعمق يتغلغل في بنية الإدارة المالية للدولة، فالأزمة، كما يصفها الاقتصادي كمال علم الدين "تبدأ من عجز الحكومة عن تأمين السيولة الشهرية اللازمة نتيجة تراجع الإيرادات وتآكل مصادر الإنتاج ما يجعل كل شهر معركة جديدة لتأمين رواتب يفترض أن تكون حقا ثابتا لا مجال للمساومة عليه".
ويضيف في حديث لشبكتنا "مع كل تأخير تتسع الفجوة بين المواطن والدولة والراتب ليس مجرد مبلغ مالي بل هو "الرابط الأكثر مباشرة بين الفرد ومؤسسات الحكم" محذرا من أنه عندما يتكرر الخلل في هذا الرابط تتآكل الثقة ويشعر المواطن بأن الدولة لم تعد قادرة على أداء أبسط واجباتها تجاهه".
ويؤكد الاقتصاديون أن السوق يعيش بدوره على إيقاع هذا الاضطراب فكل تأخير في الرواتب يخلق ركودا يمتد من المحال الصغيرة إلى حركة البيع والشراء بأكملها وتتوقف القدرة الشرائية ويزداد التضخم الذي يلتهم ما تبقى من قيمة الدخل وهكذا تتحول الأزمة من مشكلة رواتب إلى حلقة اقتصادية خانقة تتكرر كل شهر وتترك آثارها على المجتمع بأكمله".
بدوره يشير الخبير عامر شهدا إلى أنه بالتوازي مع التأخر في صرف الرواتب "ترتفع أسعار الكهرباء والخدمات بشكل لا يتناسب مع الدخل بينما يطلب من المواطن دفع الفواتير في حين لا يحصل هو على مستحقاته" مضيفا عبر منشور على صفحته في فيسبوك": القوة الشرائية لليرة السورية تتآكل بسرعة فارتفاع الأسعار بنسبة 200% ، مثل ارتفاع سعر كيلو البندورة من 5000 إلى 15000 ، يعكس تضخما يلتهم قدرة الدخل على الاستهلاك.
ويختم بالقول: ادفعوا رواتب الناس.. ووازنوا بين الدخل وأسعار الخدمات.. فالمشهد الحالي لا يمكن وصفه إلا بأنه تخريب للاقتصاد.
صمت رسمي وتبرير خجول
وزارة المالية التي حددت قبل أشهر الأيام الخمسة الأخيرة من كل شهر موعدا لصرف جميع رواتب الموظفين للشهر التالي، التزمت الصمت حيال تأخير الرواتب خلال الشهرين الأخيرين، ما دفع أحد الاقتصاديين لوصف هذا الصمت بأنه "إدارة الأزمة بالتجاهل"، وكذلك فعلت باقي الوزارات بينما كانت وزارة الصحة الاستثناء الوحيد التي عزت التأخير في صرف رواتب موظفيها لإجراءات إدارية تخص عقود الأطباء المقيمين ليبقى هذا التوضيح بقي محصورا بقطاع واحد".
بين الواقع ورمضان
ويتزامن تأخر الرواتب مع ارتفاع جنوني في الأسعار خصوصا في رمضان حيث تزداد الحاجة للسيولة، هذا التزامن ضاعف الضغط على الأسر وحول الراتب إلى شريان حياة لا يحتمل أي انقطاع في وقت تشير فيه المعطيات إلى أن تأخر الرواتب في حال تكراره قد يخلق أزمة ثقة ويقود إلى مزيد من الركود وفقدان الاستقرار، ويبقى السؤال مفتوحا: هل أصبح التأخير قدرا مفروضا على السوريين؟ أم أن هناك من يملك الجرأة لكشف الأسباب ووضع حد لهذه المعاناة؟
ٍ جميع الحقوق محفوظة لموقع syriandays - syrianews - سيريانديز- أخبار سورية © 2026