|
الثلاثاء 2026-02-10 20:49:58 |
تحقيقات |
| ذهب المصرف المركزي.. بين خطاب الطمأنة وواقع الاقتصاد |
 |
سيريانديز - خاص
لم يمر تصريح حاكم مصرف سوريا المركزي حول أن احتياطي الذهب بات يغطي 100% من الكتلة النقدية المطبوعة مرور الكرام فالتصريح الذي بدا وكأنه محاولة لتعزيز الثقة بالعملة الوطنية تحول سريعا إلى مادة للنقاش الحاد بين الاقتصاديين حيث ذهب فريق منهم إلى أنه لا يعدو أن يكون محاولة لتجميل الواقع بينما رأى آخرون أنه قراءة غير دقيقة للواقع النقدي.
ذهبٌ لا يباع… فهل يغطي؟
تتفق مختلف النظريات والمدارس الاقتصادية على أن وجود احتياطي ذهب يشكّل أحد أهم عناصر الأمان في ميزانيات البنوك المركزية لأنه أصل نادر وعالمي القبول ويمتلك قدرة تاريخية على حفظ القيمة لكن في الوقت نفسه هناك إجماع على أن تحويل هذا الأصل إلى “تغطية كاملة” للعملة يتطلب شروطا دقيقة، تتجاوز مجرد امتلاك الكمية وهذا ما لا ينطبق على الحالة السورية.
وفي هذا السياق يؤكد الخبير الاقتصادي جورج خزام أن الذهب المخزن في المصرف المركزي "لا يشكل تغطية فعلية ما لم يكن معروضا للبيع في السوق وأن التغطية الحقيقية للعملة لا تتحقق بمجرد امتلاك الذهب بل بقدرته على زيادة العرض الفعلي عند الحاجة" معتبرا أن الذهب الموجود في خزائن المصرف يشبه الذهب المدخر في المنازل وبتعبير أدق "موجود لكنه غير مؤثر في السوق".
وأمام إجماع الخبراء على أن التغطية الحقيقية للعملة لا تكون ذهبية بل سلعية بمعنى أن كل ليرة متداولة يجب أن يقابلها إنتاج وطني معروض للبيع يرى الاقتصادي خزام في منشور على صفحته في "فيسبوك" أن هذه التغطية شبه غائبة في سوريا في ظل اعتماد الاقتصاد الوطني ما يجعل الحديث عن “تغطية ذهبية كاملة” بحسب تعبيره "أقرب إلى وهم محاسبي منه إلى واقع اقتصادي".
القانون لا يدعم الرواية الرسمية
ومن زاوية أخرى فإن تصريح حاكم المصرف المركزي يتجاهل البعد القانوني لقانون النقد والتسليف لعام 2002 وهو القانون النافذ حتى تاريخه والذي يلزم المصرف المركزي بتسجيل الذهب في ميزانيته بسعر الكلفة أو السوق أيهما أقل، أي أن ارتفاع سعر الذهب عالميا لا يرفع قيمة التغطية القانونية، ولا يبرر القول بأن التغطية تجاوزت 100% وبمعنى آخر "حتى لو تضاعفت أسعار الذهب فإن المصرف لا يستطيع قانونا احتساب هذه الزيادة كجزء من التغطية النقدية".
الذهب ليس عصا سحرية
يؤكد الخبراء الاقتصاديين أن قوة العملة لا تُقاس بحجم الذهب المخزّن في القبو بل بمدى قدرة النظام المصرفي على الوفاء بالتزاماته وبمدى وضوح السياسات النقدية وشفافيتها، وبمستوى الثقة الذي يشعر به المواطن تجاه مؤسسات الدولة، فعندما تتراجع الثقة تصبح أي كمية من الذهب — مهما بلغت — عاجزة عن حماية العملة من التراجع لأن الأسواق تتفاعل أولاً مع المصداقية قبل أن تتفاعل مع الأرقام.
وفي هذا السياق تؤكد الوزيرة السابقة لمياء عاصي أن أهمية الذهب لا تعني أنه معيار لتحديد قوة العملة وتستشهد بمثال لافت مشيرة إلى أن "لبنان يمتلك 286 طناً من الذهب—أي عشرة أضعاف احتياطي سورية تقريباً—ومع ذلك انهارت الليرة اللبنانية بشكل غير مسبوق".
ويلعب الذهب دورا داعما لكنه لا يمكن أن يكون الركيزة الوحيدة للاستقرار النقدي خصوصا في اقتصاد يعاني من ضغوط إنتاجية ومالية بحسب الوزيرة عاضي التي ترى أنه حين "يشعر المواطن بأن النظام المصرفي قادر على الوفاء بالتزاماته وأن السياسة النقدية واضحة وشفافة تصبح العملة أكثر قوة حتى في غياب احتياطيات ضخمة".
بين الطمأنة والواقع… أين تقف الليرة؟
من الطبيعي أن يسعى المصرف المركزي إلى بث رسائل إيجابية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة لكن من الطبيعي أيضا أن يتساءل الخبراء عن مدى قدرة هذه الرسائل على ترجمة واقع ملموس في السوق، فوجود الذهب ليس بديلا عن احتياطي الأجنبي ولا عن الإنتاج الوطني والثقة العامة واستقرار السياسات، فكل هذه العناصر تشكل معا الإطار الذي تُبنى عليه قوة العملة.
وفي المحصلة العملة ليست ورقا ولا ذهبا فقط؛ هي عقد ثقة بين الدولة والمجتمع، وعندما يشعر المواطن أن أمواله مجمدة وأن المصرف غير قادر على التدخل في السوق فإن أي حديث عن “تغطية كاملة” يصبح بلا معنى والليرة السورية تحتاج اليوم إلى مزيج من الإصلاحات والسياسات المتوازنة أكثر مما تحتاج إلى أرقام وتصريحات، والذهب، مهما ارتفعت قيمته يبقى جزءا من الصورة لا الصورة كلها.
|
|